الأربعاء١٤ أكتوبر٢٠٢٦
المسبار العراقي
العراقالله أكبر

صحيفة ثقافية اجتماعية سياسية مختصة بالشأن العراقيصحيفة ثقافية اجتماعية سياسية

misbaraliraq.com
٤ دقائق للقراءة

الرشوة وثقافة الاستحقاق في أروقة السلطة

يثير الخبر المتداول عن إلقاء القبض على وكيل وزارة الصناعة والمعادن بشبهة الرشوة سؤالًا يتجاوز الواقعة نفسها: هل بات الفساد، في بعض أوساط الطبقة السياسية العراقية، سلوكًا مألوفًا يُمارَس بثقة، بدل أن يكون جريمة يخشى مرتكبها العقاب والعار؟ ومع بقاء الفصل في الاتهام من اختصاص القضاء، فإن الخبر يفتح نقاشًا ضروريًا حول البيئة التي تسمح بتحويل السلطة العامة إلى وسيلة للكسب الخاص.

أخطر مراحل الفساد هي المرحلة التي يتراجع فيها الاستنكار. حين تصبح الرشوة «تسهيلًا»، والعمولة غير المشروعة «حصة»، واستغلال النفوذ «شطارة»، تبدأ اللغة نفسها بالمشاركة في تبرير الجريمة. تتبدل الأسماء، ويبقى الفعل واحدًا: بيع صلاحيات الدولة لمن يستطيع الدفع، على حساب من لا يملك سوى حقه.

هنا تظهر خطورة المحاصصة عندما تقترن بضعف المحاسبة. فإذا عُدّ المنصب حصة لجهة سياسية، فقد تنشأ قناعة بأن شاغله محمي بوزن الجهة التي رشحته. وتصبح مساءلته، في نظر المدافعين عنه، استهدافًا للحزب أو المكوّن، بدل أن تكون إجراءً لحماية المال العام. بهذه الطريقة تتحول الولاءات إلى دروع، وتضيع المسؤولية بين المؤسسات والجهات المتنفذة.

ولا يمكن قراءة هذا الخبر باعتباره حادثة منفردة أو تجاوزًا عابرًا. فهو يأتي ضمن سياق متراكم من قضايا الرشوة والاختلاس، والتصريحات العلنية عن الفساد داخل الوسط السياسي، والأحكام التي طالت مسؤولين وأصحاب مناصب. ومع اختلاف الوضع القضائي لكل قضية، فإن اختزال النقاش في سلوك شخص واحد يحجب السؤال الأهم: كيف تستمر البيئة التي تتيح استغلال المنصب، رغم انكشاف قضايا الفساد مرارًا؟

ومع تكرار هذه التجارب، تتآكل الثقة بالدولة. يبدأ المواطن بالبحث عن واسطة قبل أن يبحث عن إجراء قانوني، وقد يشعر الموظف النزيه بأن التزامه يعزله أو يعطل تقدمه. هذه هي اللحظة التي يصبح فيها الفساد قادرًا على إعادة إنتاج نفسه: حين يقتنع الناس بأن النزاهة مكلفة، وأن تجاوز القانون هو الطريق الأقصر.

العراق يحتاج إلى استعادة المعنى الأساسي للوظيفة العامة: المسؤول مؤتمن على صلاحية، وليس مالكًا لها، والمال العام أمانة في عهدته، وليس حصة يتصرف بها لمصلحته أو لمصلحة حزبه وأقاربه. والمواطن صاحب حق، وليس زبونًا يشتري الخدمة من موظف أو يستجديها من صاحب نفوذ. واستعادة هذا المعنى تتطلب إعادة ترسيخ أخلاقيات النزاهة وقيم العدل والمسؤولية واحترام القانون، حتى تصبح أساسًا فعليًا لاختيار المسؤولين وتقييم أدائهم ومحاسبتهم.

وعلى مدى سنوات، أسهمت ممارسات مسؤولين كبار تورطوا في الفساد واستغلال النفوذ في هدم هذه القيم وإضعاف مكانتها في الوعي العام. فالضرر الذي يخلّفه فساد أصحاب السلطة يتجاوز الأموال المنهوبة؛ إنه يمس تصور الناس لما هو مقبول وما هو معيب. حين يرى المواطن أن المنصب يجلب لصاحبه ثراءً غير مشروع، وأن النفوذ قد يحميه من المحاسبة، تتعرض فكرة الأمانة نفسها للتشويه. وحين يُحتفى بصاحب المال دون مساءلة عن مصدره، ويُقاس نجاح المسؤول بما جمعه وما منحه للمقربين، يصبح المجتمع أمام انقلاب خطير في معايير الاحترام والنجاح.

وتزداد خطورة هذا الهدم حين تنتقل رسالته إلى الأجيال الجديدة: أن الوصول إلى السلطة يتيح تجاوز القانون، وأن العلاقات أقوى من الكفاءة، وأن النزاهة قد تكون عائقًا أمام التقدم. بذلك يستطيع الفساد أن يورّث منطقه حتى لمن لم يمارسه بعد، وأن يدفع الناس إلى التكيف معه بوصفه شرطًا لقضاء مصالحهم. ولا يجوز لوم المواطن الذي يتعرض للابتزاز للحصول على حقه ومساواته بمن يستغل سلطة الدولة لفرض الرشوة عليه؛ فإعادة بناء القيم تبدأ أيضًا بحماية الناس من الظروف التي تُكرههم على الخضوع للفساد.

ولهذا، يجب أن تبدأ استعادة أخلاقيات النزاهة من قمة السلطة. فلا تستقيم مطالبة الموظف الصغير بالأمانة بينما يرى مسؤولًا كبيرًا يفلت من تبعات أفعاله، ولا تقنع دروس التربية على احترام المال العام جيلًا يشاهد المتجاوزين عليه يحتفظون بمكانتهم ونفوذهم. يحتاج العراق إلى قدوة عامة تجعل النزاهة ممارسة مرئية: مسؤول يكشف عن مصالحه، ويرفض استغلال موقعه، ويخضع للمساءلة، ويتحمل عواقب قراراته. ويحتاج كذلك إلى مؤسسات تحمي الموظف النزيه والمبلّغ عن الفساد، وتمنح الكفاءة والاستقامة فرصة عادلة في التعيين والترقية.

كما تقع على المؤسسات التعليمية والإعلام والمنابر الثقافية والاجتماعية مسؤولية إعادة الاعتبار لهذه القيم. فلا ينبغي تبرير فساد المسؤول لأنه ينتمي إلى جماعة معينة، أو تخفيف قبح الرشوة بتسميتها (هدية) أو (حصة) أو (تسهيلًا). يجب أن يستعيد المجتمع وضوحه الأخلاقي: استغلال حاجة الناس عيب، ونهب المال العام اعتداء على حقوقهم، وحماية الفاسد مشاركة في استمرار الضرر. وفي المقابل يستحق من يصون الأمانة احترامًا ودعمًا، حتى لا يبقى النزيه وحيدًا داخل بيئة تكافئ المتجاوز.

وما لم تُترجم هذه القيم إلى قواعد ومحاسبة ستظل أخبار الرشوة تتكرر وسيظل الغضب يتبدد بين فضيحة وأخرى. فالقانون يمنح القيم قوة التنفيذ، والقيم تمنح تطبيق القانون معناه واستمراره. واسترداد الأموال ومعاقبة المدانين ضروريان، لكن إصلاح الضرر الأخلاقي يحتاج أيضًا إلى إسقاط المكانة التي يمنحها النفوذ والثراء للفاسد وإعادة الاعتبار لمن يؤدي واجبه دون أن يبيع صلاحياته أو يساوم على حقوق الناس

إن الخطر الأكبر هو أن يألف المجتمع أخبار الفساد حتى تفقد قدرتها على صدمه؛ فتصبح الرشوة متوقعة من المسؤول، ويغدو استغلال المنصب أمرًا يُتعايش معه بدل المطالبة بمحاسبة مرتكبه. عندها يتراجع معيار النزاهة: يُقاس المسؤول بمدى فساده مقارنة بغيره، وتصبح قلة ما ينهبه سببًا لمدحه. هذا الاعتياد يمنح الفساد حماية اجتماعية؛ إذ يكفيه أن يقتنع الناس بأن الاعتراض لا جدوى منه، وأن الأمانة استثناء يصعب انتظاره ممن يتولى السلطة.

عبدالله الصالحي

اقرأ أيضًا

بقلم عبد المجيد جاسم

كفى إذلالاً للعراقيين… رواتبهم حق وليست مِنّة من السياسيين

أثار تصريح المتحدث باسم ائتلاف النصر، بشأن وجود نحو ثلاثة ملايين موظف «فائض عن الحاجة» في العراق، وقوله إن نسبة إنجاز الموظف العراقي لا تتجاوز نصف ساعة، الاستغراب؛ ليس لأن الجهاز…

بقلم عبدالله الصالحي

تهميش الكفاءات وتدوَّير المناصب

أثار خبر إعلان سعدية العقابي مباشرتها مهامها مستشارةً لدى رئيس مجلس الوزراء سؤالًا سياسيًا مشروعًا: ما المعايير التي تحكم الانتقال من الترشح للانتخابات إلى تولي موقع استشاري في…

مقال رأيبقلم مريم اليوسف

رفع سعر الدولار في العراق: الإفقار المتعمد حين يدفع المواطن ثمن إخفاقات الدولة

أن رفع سعر الدولار في العراق ليس مجرد إجراء نقدي يُختزل في أرقام المصارف وجداول الموازنة، بل قرار تتجاوز تداعياته الحسابات المالية لتطال حياة ملايين العراقيين، من الموظفين…

جميع المقالات ←