الأحد١١ أكتوبر٢٠٢٦
المسبار العراقي
العراقالله أكبر

صحيفة ثقافية اجتماعية سياسية مختصة بالشأن العراقيصحيفة ثقافية اجتماعية سياسية

misbaraliraq.com
مقال رأي٣ دقائق للقراءة

رفع سعر الدولار في العراق: الإفقار المتعمد حين يدفع المواطن ثمن إخفاقات الدولة

أن رفع سعر الدولار في العراق ليس مجرد إجراء نقدي يُختزل في أرقام المصارف وجداول الموازنة، بل قرار تتجاوز تداعياته الحسابات المالية لتطال حياة ملايين العراقيين، من الموظفين والمتقاعدين والكاسبين وأصحاب الدخل المحدود، وصولًا إلى الطبقة الوسطى التي تشكل ركيزة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، عندما يُتخذ قرار بهذا الحجم في اقتصاد يعتمد بشكل اساسي على الاستيراد ويعاني من ضعف الإنتاج المحلي وضعف القطاع الخاص، مع بقاء دخول كثير من المواطنين كما هي، انه اقرب الى فعل إفقار متعمد وفرض سياسات على المواطن العراقي دفع ثمن إخفاقات لم يكن هو سببها.

المشكلة الرئيسية تتعلق بكيفية توزيع الأعباء الاقتصادية. بدل معالجة المشكلات الأساسية مثل الفساد، والهدر المالي، والاعتماد على دخل النفط، وضعف القطاعات الإنتاجية، يتم اتخاذ إجراءات يتحمل المواطنون كلفتها، ولا توجد ضمانات كافية لتحقيق العدالة الاجتماعية. فمن يمتلك الدولار أو العقارات أو الأصول المالية (وحاليا هم أصحاب السلطة والأحزاب والمتنفذين) يستطيع حماية ثرواتهم من تراجع قيمة الدينار، بينما يفتقر أصحاب الرواتب الثابتة والدخول المحدودة إلى الأدوات نفسها. أما بعض التجار وأصحاب رؤوس الأموال، فيمتلكون القدرة على تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلك النهائي.

وتزداد هذه الاختلالات خطورة عندما تتداخل المصالح التجارية مع النفوذ السياسي في الاقتصاد، وتقل المنافسة والرقابة على الأسواق. في مثل هذا الوضع، قد تصبح الأزمات النقدية فرصاً لزيادة أرباح بعض الفئات، بينما تتراجع القدرة الشرائية لمعظم الناس. وهنا تتجلى المفارقة: انكماش دخول المواطنين في مقابل احتمال تضخم ثروات المستفيدين من الاحتكار والمضاربة وشبكات النفوذ الاقتصادي.

كما إن أخطر تداعيات الإفقار المتعمد لا تقف عند حدود تراجع الاستهلاك أو انخفاض المستوى المعيشي، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية ذاتها التي ستشهد تآكل الطبقة الوسطى وتفكك الاستقرار الاجتماعي، فالطبقة الوسطى التي تشمل عددا كبيرا من الموظفين والمدرسين والأكاديميين والمهنيين وأصحاب المشروعات الصغيرة. هذه الطبقة عنصر أساسي لاستقرار المجتمع واستمرار التنمية. إذا استمرت دخولها الحقيقية في التراجع، يفقد المجتمع تدريجيا واحدة من أهم ركائزه الاقتصادية والثقافية.

ومع اتساع الفجوة بين مستويات الدخل وتكاليف المعيشة، تتفاقم الضغوط النفسية والأسرية، وتتراجع قدرة الأفراد على تلبية احتياجاتهم الأساسية، ولا سيما في مجالي التعليم والصحة، مما يدفع المزيد من الأسر نحو المديونية والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية. ولا تقف تداعيات هذه الأوضاع عند حدود الفقر المادي، بل تمتد لتطال أمن المجتمع واستقراره، إذ يشكل الحرمان الاقتصادي وتفشي البطالة والتهميش، بالتزامن مع ضعف المؤسسات وغياب شبكات الحماية الاجتماعية الفاعلة، بيئة خصبة لانتشار الآفات المجتمعية، بما فيها الجريمة والعنف الأسري وتعاطي المخدرات والاتجار بالبشر والأعضاء البشرية. وهكذا تتحول الأزمة الاقتصادية تدريجيًا إلى أزمة اجتماعية مركبة، تتسع معها دائرة المخاطر التي تهدد تماسك المجتمع وأمنه واستقراره.

إن جوهر الأزمة يكمن في النهج الاقتصادي الذي يُحمّل المواطن أعباء الإخفاقات المتراكمة في إدارة موارد الدولة وأزماتها. فالطبقة السياسية التي تعاني من قصور في الرؤية لمصالح العراق وتهتم لمصالح دول أخرى، وهي على دراية بهشاشة الاقتصاد العراقي وتدني مستويات الدخل لا يمكنها التنصل من مسؤوليتها عن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لقراراتها. وحين تتكرر السياسات التي تُلقي بكلفة الأزمات على كاهل المواطنين، دون أن تقترن بإصلاحات جذرية تعالج منظومة الفساد والهدر والامتيازات وخطورة هذا النهج تمتد إلى تقويض الثقة بين المواطن والدولة، حين يشعر أن المؤسسات المعنية بحماية مصالحه باتت تحمّله تبعات أزمات لم يكن طرفًا في صنعها. ومع استمرار تراجع الطبقة الوسطى وتضاؤل الفرص الاقتصادية أمام الشباب، تتعمق مشاعر الإحباط وانعدام الأمان، وتتراجع الثقة بالمستقبل، بما يهدد التماسك الاجتماعي ويضعف شعور المواطن بالانتماء إلى دولة يفترض أن تصون كرامته وتضمن له مقومات العيش الكريم.

مريم اليوسف

اقرأ أيضًا

مقال رأيبقلم مريم اليوسف

دبلوماسيات العراق… حين يُختزل التاريخ في صورة نمطية

ليست كل معركة تُخاض على طاولة المفاوضات؛ فبعض المعارك تُخاض دفاعًا عن السمعة المهنية، وعن تاريخ طويل من الإنجاز، وعن شريحة أفنت سنوات عمرها في خدمة الوطن بصمت، ثم وجدت نفسها في…

جميع المقالات ←