الاثنين١٢ أكتوبر٢٠٢٦
المسبار العراقي
العراقالله أكبر

صحيفة ثقافية اجتماعية سياسية مختصة بالشأن العراقيصحيفة ثقافية اجتماعية سياسية

misbaraliraq.com
٥ دقائق للقراءة

كفى إذلالاً للعراقيين… رواتبهم حق وليست مِنّة من السياسيين

أثار تصريح المتحدث باسم ائتلاف النصر، بشأن وجود نحو ثلاثة ملايين موظف «فائض عن الحاجة» في العراق، وقوله إن نسبة إنجاز الموظف العراقي لا تتجاوز نصف ساعة، الاستغراب؛ ليس لأن الجهاز الإداري العراقي لا يعاني خللاً أو ترهلاً، وليس لأننا نريد إنكار مشكلات حقيقية يعرفها كل عراقي، وإنما لأن هذا النوع من الخطاب أصبح يتكرر بطريقة توحي وكأن الموظف العراقي هو أصل الأزمة الاقتصادية، وكأن راتبه هو العبء الأكبر على الدولة، وكأن إصلاح العراق يجب أن يبدأ دائماً من جيب المواطن. ثلاثة ملايين موظف فائضون عن الحاجة؟ بهذه البساطة؟ ثلاثة ملايين إنسان يمكن اختزالهم بكلمتين: «فائض عن الحاجة»؟

ويبدو أن بعض السياسيين العراقيين لم يعودوا يرون المواطن إلا رقماً في جدول للإنفاق، وراتباً يمكن استقطاعه، وموظفاً يمكن تهديده، ومتقاعداً يمكن تأخير مستحقاته، وعبئاً ينبغي التخلص منه كلما ضاقت خزينة الدولة.

لكن الغريب أن هذه الخزينة نفسها لا يبدو أنها تضيق بالامتيازات والمخصصات والمناصب والهيئات والمكاتب والمواكب والنفقات التي صنعتها الطبقة السياسية نفسها.

يا سادة، يا من أصبح بينكم وبين المواطن العراقي ومعاناته سنوات ضوئية، يكفي.

يكفي استفزازاً للعراقيين. يكفي تهديداً مستمراً لرواتبهم. يكفي أن يخرج أحدكم كل بضعة أشهر ليحدث المواطن عن كلفة راتبه وكأن هذا الراتب يخرج من جيب السياسي، وكأن بقاء العراقي في وظيفته فضل ومكرمة ينبغي أن يشكر الطبقة السياسية عليها صباح مساء.

الراتب ليس مِنّة. والوظيفة في دوائر ومؤسسات العراق ليست صدقة، وأموال الدولة ليست ملكاً للأحزاب والسياسيين حتى يمنّوا بها على العراقيين.

إن أردنا مناقشة الترهل الوظيفي مناقشة اقتصادية جادة، فلنبدأ بالسؤال الحقيقي:من صنعه؟ من حوّل مؤسسات الدولة على مدى سنوات طويلة إلى ساحات للمحاصصة السياسية والحزبية؟ من استعمل التعيينات لكسب الجمهور والولاءات؟ من ملأ مؤسسات الدولة بدرجات وظيفية لم تكن دائماً مرتبطة بحاجات حقيقية أو بتخطيط اقتصادي وإداري سليم؟ من عطّل الصناعة والزراعة والقطاع الخاص حتى أصبحت الوظيفة الحكومية بالنسبة إلى ملايين العراقيين الملاذ شبه الوحيد للحصول على دخل ثابت كي يحمي عائلته ويصون كرامتهم، ومن فشل طوال أكثر من عقدين في صناعة اقتصاد قادر على توفير بدائل حقيقية للعمل؟

لا يجوز لمن صنع المشكلة أن يقف اليوم فوق رأس ضحيتها ليعطيها محاضرة في الإنتاجية.

إذا كان في العراق بالفعل ثلاثة ملايين موظف فائض عن الحاجة، فإن الرقم، إن صح، لا يمثل فضيحة ثلاثة ملايين عراقي. إنه شهادة فشل لسياسات حكومية وإدارية واقتصادية متراكمة. ثلاثة ملايين موظف فائض لا يعني ثلاثة ملايين مواطن فاشل.

بل يعني أن دولة كاملة أخفقت في إدارة مواردها البشرية، وفي توزيع موظفيها، وفي تحديث مؤسساتها، وفي بناء اقتصاد منتج. وإذا كان الموظف العراقي ينجز فعلاً نصف ساعة في اليوم، فالسؤال ليس فقط: لماذا لا يعمل أكثر؟

السؤال أيضاً: ماذا وفرت له المؤسسة حتى يعمل؟ هل هناك أنظمة إدارية حديثة؟ هل هناك توصيف دقيق للوظائف؟

هل هناك قياس حقيقي للإنتاجية؟ هل قوانين حماية الموظفين داخل بيئة العمل مفعلة؟

وهل تمت مساءلة الحكومات التي راكمت هذا الخلل طوال سنوات؟ أم أن أسهل حل دائماً هو العثور على الموظف البسيط وتحميله فاتورة منظومة لم يصنعها؟

إن معالجة الترهل الوظيفي ضرورة، ولكنها لا تتم بإهانة الموظفين ولا بوصف الملايين منهم بأنهم «فائضون عن الحاجة».

هناك فرق بين أن تقول إن لدينا فائضاً في بعض المؤسسات يحتاج إلى إعادة توزيع وتأهيل، وبين أن يتحول الخطاب إلى وصم اجتماعي لملايين المواطنين وكأن وجودهم نفسه عبء على الدولة. والأهم من ذلك كله أن السياسي العراقي ينبغي أن يدرك أن الموظف الذي يتقاضى راتبه لا يأخذه من مال السياسي. هذا المال مال العراق.مال الثروة التي يفترض أنها ملك العراقيين جميعاً. فالعراق ليس شركة خاصة يمتلكها السياسيون وعوائلهم، والمواطن ليس عاملاً زائداً في مزرعة أحد.

والمفارقة أن العراقي يسمع منذ سنوات الجملة نفسها بصيغ مختلفة: الرواتب كثيرة.الموظفون كثيرون.المتقاعدون كثيرون.الحصة التموينية مكلفة. الدولة لا تتحمل. وكأن كل شيء متعلق بالمواطن يبدو كثيراً، لكننا نادراً ما نسمع الحماسة نفسها عندما يتعلق الأمر بكلفة الفساد، أو كلفة سوء الإدارة، أو كلفة المناصب والهيئات المتضخمة، أو الأموال المهدرة في المشاريع الفاشلة والمتلكئة.

وهنا يصبح من حق المواطن أن يسأل: إذا كان ثلاثة ملايين موظف فائضين عن الحاجة، فكم لدينا من المناصب السياسية والإدارية الفائضة عن الحاجة؟ كم مؤسسة أنشئت بسبب التسويات والمحاصصات؟ كم مستشاراً ومكتباً وهيئة ولجنة يمكن للدولة الاستغناء عنها؟

وكم مليار دولار خسرها العراق بسبب سوء الإدارة والفساد مقارنة بما يتقاضاه الموظف البسيط؟

ابدأوا من هناك: ابدأوا بكلفة الفساد، ابدأوا بالهدر العام على احزابكم ومناصبكم ابدأوا بالعقود المتلكئة والوهمية، ابدأوا بالمشاريع التي ابتلعت الأموال ولم ير المواطن منها شيئاً. ابدأوا ببناء قطاع خاص حقيقي، لا قطاع يعيش هو الآخر على عقود الدولة.

هذه إدارة للفشل على حساب المواطنين وطبقة الموظفين بالأخص، وعلى من يأتي يتحدث اليوم عن «فائض» بشري داخل الدولة العراقية عليه ألا ينسى طبيعة التجربة التي عاشها هذا المواطن.

العراقي لم يعش حياة طبيعية حتى نقيس علاقته بالدولة بالمحاسبة بهذه الطريقة !!!هذا المواطن عاش الحروب والحصار والإرهاب والتفجيرات والتهجير وانهيار الخدمات والفساد والبطالة. تحمل انقطاع الكهرباء. وتدهور التعليم. وتهالك المستشفيات وفقدان فرص العمل. وضعف البنية التحتية وعاش سنوات يسمع فيها وعوداً بالإصلاح والتنمية والدولة الحديثة.

ثم يخرج عليه الخطاب السياسي نفسه ليقول له في النهاية: أنت عبء على الدولة.

بل أصبح العراقي يستحق تعويض عن الضرر المادي والضرر النفسي الذي لحق به لأنه تحمّل وجوهكم الكالحة ووعودكم الكاذبة ونفاقكم السياسي والخطابات الذي يتجدد مع كل موسم انتخابي- نعم، يستحق تعويضاً عن عمر كامل قضاه وهو ينتظر دولة طبيعية.

كفى الحديث عن الموظف العراقي والمواطن العراقي وكأنه عالة على بلده.

من يحمل جنسية هذا البلد وعاش فيه وتحمل انهياراته وحروبه وأزماته له حق في ثروته. الدولة مسؤولة عن خلق فرصة عمل منتجة له.وإذا عجزت الدولة عن بناء اقتصاد يوفر تلك الفرصة، فلا يحق لها أن تحول عجزها إلى تهمة ضد المواطن.

فاعلموا جيدا انه من حق العراقي أن يعيش بكرامة من خيرات وطنه، سواء جاء ذلك من خلال العمل المنتج، أو شبكات حماية اجتماعية عادلة، أو سياسات توزيع للثروة تحفظ الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

والفشل انتم تتحملوا وحدكم ياسياسي العراق وليس الشعب

عبد المجيد جاسم

اقرأ أيضًا

بقلم عبدالله الصالحي

تهميش الكفاءات وتدوَّير المناصب

أثار خبر إعلان سعدية العقابي مباشرتها مهامها مستشارةً لدى رئيس مجلس الوزراء سؤالًا سياسيًا مشروعًا: ما المعايير التي تحكم الانتقال من الترشح للانتخابات إلى تولي موقع استشاري في…

مقال رأيبقلم مريم اليوسف

رفع سعر الدولار في العراق: الإفقار المتعمد حين يدفع المواطن ثمن إخفاقات الدولة

أن رفع سعر الدولار في العراق ليس مجرد إجراء نقدي يُختزل في أرقام المصارف وجداول الموازنة، بل قرار تتجاوز تداعياته الحسابات المالية لتطال حياة ملايين العراقيين، من الموظفين…

مقال رأيبقلم مريم اليوسف

دبلوماسيات العراق… حين يُختزل التاريخ في صورة نمطية

ليست كل معركة تُخاض على طاولة المفاوضات؛ فبعض المعارك تُخاض دفاعًا عن السمعة المهنية، وعن تاريخ طويل من الإنجاز، وعن شريحة أفنت سنوات عمرها في خدمة الوطن بصمت، ثم وجدت نفسها في…

جميع المقالات ←