دبلوماسيات العراق… حين يُختزل التاريخ في صورة نمطية

ليست كل معركة تُخاض على طاولة المفاوضات؛ فبعض المعارك تُخاض دفاعًا عن السمعة المهنية، وعن تاريخ طويل من الإنجاز، وعن شريحة أفنت سنوات عمرها في خدمة الوطن بصمت، ثم وجدت نفسها في مواجهة التهميش والتشويه بدل الإنصاف والتقدير.
إنهن دبلوماسيات العراق؛ نساء لم تُنصفهن وزارتهن، لا في الترقية، ولا في الإسناد، ولا في منحهن الفرص التي تتناسب مع كفاءتهن وسنوات خدمتهن الطويلة.
نساء يمتلكن الخبرة والمعرفة والقدرة على تمثيل العراق بأعلى درجات المهنية، لكن كثيرات منهن وجدن أنفسهن مضطرات إلى الانسحاب بصمت، والانزواء في زوايا وزارة الخارجية، لا بسبب نقص في الكفاءة أو ضعف في الأداء، بل نتيجة شعور متراكم بالخذلان، سببه غياب الإنصاف الإداري، وانسداد مسارات التقدم الوظيفي أمامهن.
لم تصل كثيرات منهن إلى درجة وزير مفوض، رغم استحقاقهن المهني واستيفائهن سنوات الخدمة والخبرة، ولم تتح لهن فرصة عادلة للمنافسة على مناصب السفراء أو المواقع القيادية، في ظل آليات ترشيح خضعت، في أحيان كثيرة، للتوازنات السياسية والحزبية أكثر مما خضعت لمعايير الخبرة والكفاءة والتدرج الدبلوماسي.
وفي مقابل دبلوماسيات مهنيات أمضين عقودًا في الخدمة الخارجية، انتظرن استحقاقًا وظيفيًا لم يصل، تمكنت مرشحات مدعومات من الأحزاب والقوى السياسية وشبكات النفوذ من الوصول إلى مواقع متقدمة، لا لكونهن أكثر خبرة بالضرورة، بل لأن الطريق أمامهن كان ممهدًا بالدعم السياسي والعلاقات.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: ما قيمة سنوات الخدمة والانضباط والتدرج المهني إذا أصبحت غير كافية للوصول إلى الموقع المستحق؟ وما جدوى الحديث عن تمكين المرأة، إذا بقيت المناصب القيادية حكرًا على من تمتلك الدعم، لا على من تمتلك الكفاءة؟
إن وزارة تستكثر ترشيح دبلوماسياتها الكفوءات للعمل في المنظمات الدولية، وتستكثر عليهن تولي المناصب القيادية، بينما تفتح الأبواب أمام صاحبات النفوذ السياسي أو القرابة الحزبية، إنما تهدر خبراتها من الداخل، وتبعث برسالة قاسية مفادها أن الجدارة وحدها لا تكفي. وفي بيئة كهذه، تصبح المرأة المهنية النزيهة، التي لا تستند إلى حزب أو نائب أو مركز نفوذ، عرضة للتهميش والمحاربة. لا لأنها أقل كفاءة، بل لأنها رفضت أن يكون انتماؤها أو اسم عائلتها أو صلتها بجهة سياسية جواز عبورها إلى المنصب. هذه العقلية لا تنتمي إلى مؤسسة دبلوماسية يفترض أن تقوم على القانون والكفاءة والاحتراف، بل تعكس ذهنية أبوية وعشائرية تنظر إلى المرأة المستقلة بوصفها حالة يجب تطويقها، لا كفاءة وطنية ينبغي دعمها. وهي ذهنية لا تكتفي بإقصاء المرأة، بل تحارب المرأة الشريفة التي اختارت أن تبني مسيرتها بجهدها، لا بامتياز القرابة أو الحماية السياسية.
لقد كان العراق من أوائل الدول العربية التي فتحت أبواب العمل الدبلوماسي والسياسة الخارجية أمام المرأة، وقدم في وقت مبكر نموذجًا متقدمًا في إشراك النساء في تمثيل الدولة والعمل في بعثاتها الخارجية. لكن هذا الإرث الريادي يشهد اليوم تراجعًا كبيرًا، لا في أعداد النساء العاملات فحسب، بل في فرص وصولهن إلى مواقع القرار والتأثير.
فتمثيل المرأة الحقيقي لا يُقاس بعدد الموظفات داخل الوزارة، بل بعدد الدبلوماسيات اللواتي يصلن إلى درجات وزير مفوض وسفير، ويتولين رئاسة الدوائر والبعثات، ويُرشحن لتمثيل العراق في المنظمات الإقليمية والدولية.
تشكل النساء نسبة كبيرة من ملاك وزارة الخارجية العراقية، ويُقدَّر حضورهن بما يقارب أربعين في المئة من العاملين فيها، وهي نسبة تعكس عقودًا من التراكم المهني والاستثمار في الكفاءات النسوية. غير أن هذه النسبة العددية لم تتحول إلى تمثيل عادل في مراكز القيادة وصنع القرار.
وهنا تتكشف المفارقة: وزارة تضم هذا العدد الكبير من النساء، لكنها لا تزال مترددة في منحهن الثقة، أو ترشيحهن للمناصب الدولية، أو إسناد المواقع القيادية إليهن، وكأن وجودهن مقبول ما دمن بعيدات عن دائرة القرار، أما اقترابهن من القيادة فيستدعي وضع العراقيل أمامهن.
ولم يقتصر الظلم على الجانب الإداري، بل امتد إلى المجال الإعلامي أيضًا، حين اختُزلت سنوات خدمتهن المضنية في صور نمطية مشوهة، وأُلقي بظلال أخطاء فردية أو نماذج طارئة على شريحة كاملة من النساء المهنيات.
وبدل أن تُروى قصص النجاح والتضحية والانضباط، جرى تكريس صورة إعلامية سطحية تجاهلت التاريخ المهني الحقيقي لدبلوماسيات العراق، واختزلت مسيرات طويلة من العمل في مشاهد عابرة أو روايات مجتزأة.
والمؤسف أن أي خطأ فردي، إن وجد، قد يتحول إلى ذريعة لتعميم صورة سلبية على مئات الدبلوماسيات، بينما لا يُعمم الخطأ ذاته عندما يصدر عن رجل. وهذا معيار مزدوج لا يخدم العدالة ولا المهنية، بل يكشف عن استعداد مجتمعي ومؤسسي أسرع لمحاسبة المرأة وتشويه صورتها.
الدبلوماسية ليست مهنة تقوم على الظهور الإعلامي أو الصور الرسمية، وإنما هي عمل تراكمي يقوم على المعرفة والتفاوض وإدارة الأزمات وتمثيل الدولة في أكثر الملفات تعقيدًا. وخلف كل نجاح دبلوماسي سنوات من الدراسة والبحث والتدريب والالتزام، فضلًا عن تضحيات شخصية وعائلية لا يراها الجمهور.
لقد أثبتت الدبلوماسيات العراقيات حضورهن في السفارات والبعثات الدائمة والمنظمات الدولية والمفاوضات الثنائية ومتعددة الأطراف، وأسهمن في الدفاع عن مصالح العراق في أصعب المراحل التي مر بها البلد.
عملن في بيئات سياسية وأمنية شديدة التعقيد، وتحملن أعباء الاغتراب والتنقل والانفصال عن العائلة، ومثلن العراق في ظروف لم تكن سهلة، ثم عدن ليجدن أن سجل الإنجاز قد لا يكون كافيًا أمام النفوذ والمحاصصة والولاءات.
إن الظلم الذي تعرضت له الدبلوماسية العراقية لم يكن إعلاميًا فقط، بل كان مؤسسيًا أيضًا؛ حين غابت عنها الترقية المستحقة، والمساندة الإدارية، والحماية المهنية، وفرص التدريب والتطوير، والترشيح للمنظمات الدولية، والتنافس المتكافئ على مواقع صنع القرار.
ولم تطلب هؤلاء النساء امتيازات استثنائية، ولم يطالبن بتجاوز معايير الكفاءة، بل طالبن فقط بأن تُحتسب سنوات عملهن، وأن تُحترم خبراتهن، وأن تكون المنافسة على المناصب قائمة على الاستحقاق، لا على الانتماء الحزبي أو الدعم السياسي أو صلة القرابة. إنصاف دبلوماسيات العراق لا يكون بخطابات الإشادة الموسمية، ولا بالاحتفاء الشكلي بهن في يوم المرأة، ولا بالتقاط الصور في المناسبات الرسمية، بل بإصلاح حقيقي يبدأ من مراجعة نظام الترقيات، ويمر بإعادة النظر في آليات اختيار السفراء والمسؤولين، وينتهي بضمان تمثيل عادل للنساء المهنيات في المواقع القيادية داخل الوزارة وخارجها.
كما يتطلب الإنصاف فتح باب الترشيح الشفاف للمنظمات الدولية، ونشر معايير الاختيار، وضمان تكافؤ الفرص، وإخضاع القرارات الإدارية للرقابة والمساءلة، بعيدًا عن المزاج الشخصي والتدخلات السياسية والمحسوبية. إن الدفاع عن الدبلوماسية العراقية لا يكتمل من دون الدفاع عن دبلوماسياتها، لأنهن جزء أصيل من المؤسسة، وليس استثناءً فيها. كما أن حماية سمعة الوزارة لا تعني الصمت عن أخطائها، بل تعني الاعتراف بمواطن الخلل ومعالجتها قبل أن تتحول إلى ثقافة دائمة.
فالدبلوماسيات اللواتي حملن اسم العراق في أصعب الظروف لا يستحققن أن ينتهين في العزلة والصمت، ولا أن تُمحى عقود من عطائهن بسبب صورة عابرة أو حملة إعلامية جائرة، ولا أن يُختصر تاريخهن في نماذج لا تمثلهن.
إنهن جزء من تاريخ الدبلوماسية العراقية، وتهميشهن ليس خسارة شخصية لهن وحدهن، بل خسارة للمؤسسة والدولة وسمعة العراق في الخارج.
إن المؤسسات القوية تُقاس بقدرتها على حماية كوادرها المهنية وإنصافها، لا بقدرتها على إسكاتها. كما تُقاس الدول المتقدمة بمدى احترامها للمرأة التي اختارت أن تحمل اسم وطنها في المحافل الدولية، وأن تدافع عنه بالكلمة والعقل والموقف الدبلوماسي.
أما العراق، الذي كان يومًا سباقًا في إدخال المرأة إلى ميدان السياسة الخارجية، فلا يليق به أن يتراجع اليوم إلى مراتب متأخرة، ولا أن يسمح بأن تتحول رائداته إلى نساء مخذولات، يراقبن من زوايا الوزارة كيف تتقدم الوساطة ويتراجع الاستحقاق.
